الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

569

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الناس لم يعلموا أن اللّه أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها الناس منه كلهم ، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها « 1 » . وفي حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة أن أبا بكر مر بعمر وهو يقول : ما مات رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولا يموت حتى يقتل اللّه المنافقين . قال : وكانوا أظهروا الاستبشار ورفعوا رؤوسهم ، فقال : أيها الرجل ، إن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قد مات : ألم تسمع اللّه تعالى يقول : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ « 2 » وقال : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ « 3 » ثم أتى المنبر . الحديث . قال القرطبي أبو عبد اللّه المفسر : وفي هذا أدل دليل على شجاعة الصديق ، فإن الشجاعة حدها : ثبوت القلب عند حلول المصائب ، ولا مصيبة أعظم من موت النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - . فظهر عنده شجاعته وعلمه . قال الناس : لم يمت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، واضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية ، فرجع عمر عن مقالته التي قالها . كما ذكر الوائلي أبو نصر عبد اللّه في كتاب « الإنابة » عن أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - في مسجد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - واستوى على منبره - صلى اللّه عليه وسلم - ، تشهد ثم قال : أما بعد ، فإني قلت لكم أمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت ، وإني واللّه ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب اللّه ، ولا في عهد عهده رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حتى يدبرنا - أي يكون آخرنا موتا ، أو كما قال - فاختار اللّه عز وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم ، وهذا الكتاب الذي هدى اللّه به رسوله فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - . قال أبو نصر : المقالة التي قالها ثم رجع عنها : هي أن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدي وأرجل ، وكان ذلك لعظيم ما ورد عليه

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة الزمر : 30 . ( 3 ) سورة الأنبياء : 34 .